محمود توفيق محمد سعد

293

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

لم تأت كلمة ( يثرب ) في غير هذه الآية وجاءت كلمة " تثريب " وهي من مادتها في سورة ( يوسف : 92 ) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يقول " البقاعي " : " عدلوا عن الاسم - الذي وسمها به النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا من المدينة وطيبة مع حسنه - إلى الاسم الذي كانت تدعى به قديما مع احتمال قبحه باشتقاقه من " الثرب " الذي هو اللوم والتعنيف ، إظهارا للعدول عن الإسلام . قال في " الجمع بين العباب والمحكم " : " ثرب عليه ثربا وأثرابا ، بمعنى ثرب تثريبا إذا لامه وعيره بذنبه وذكّره به " « 1 » فهذه الكلمة تحمل بمدلول مادتها ( ث - ر - ب ) معنى التّأنيب والتّعيير بمعابة ما يومئ إليه أولئك المنافقون من تعنيف القائمين لنصرة الإسلام ورسوله صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا . وفي هذا العدول منهم عن الكلمة التي اصطفاها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى تلك الكلمة البغيضة إيماء إلى دعوتهم إلى العدول عما دعا إليه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ما كان عليه أجدادهم ، وهذا يصوّر ما يعتلج في صدورهم من النفاق ، وقد صدق اللّه سبحانه وتعالى : . . . . فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ( محمد : 30 ) فهذه الكلمة في سياق تثبيط المنافقين لعزائم المسلمين بالغة الأنس بمقامها ، فهي الكلمة التي هي أخصّ بذلك المعنى وأتمّ له وأكشف عنه ، وهي الفاضحة ما يجتهد المنافقون في كفره وستره وفي ملاحظة " البقاعي " تلك الإشارة القرآنية نقض ما يعيب به بعض المحدثين تراثنا أنّ أصحابه في فقههم البيانيّ لا يلاحظون مطابقة البيان الأحوال الداخلية التي تمر بها نفوس المتكلمين ، ، فيلتقطون الأسرار النفسية من بين ثنايا الأسرار اللغوية . * * * ويلمح " البقاعيّ " في اصطفاء كلمة أخرى ما يكشف عن حقيقة عقول المنافقين في سياق السورة نفسها في قول اللّه جلّ جلاله : يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ( الأحزاب : 20 ) جاء البيان بالفعل ( يحسب ) دون غيره من نحو " يظن "

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 15 / 306